نقص اليد العاملة في أوروبا… ما هو الحل الألماني؟

3


نقص اليد العاملة في أوروبا… ما هو الحل الألماني؟

ألمانيا – متابعات

يثير نقص العمالة الماهرة في أوروبا مخاوف كبيرة من حدوث خسائر اقتصادية هائلة. ألمانيا واحدة من الدول الأوروبية، التي وجدت في جذب العمال المهرة جزءا من الحل، لكن العقبات أمام تحقيق هذا المبتغى كثيرة.

لا يجد المرء عناء في العثور في مختلف وسائل الإعلام الألمانية على إعلانات لشركات تبحث عن موظفين مؤهلين. رئيس مصنع لقطع غيار السيارات في برلين، على سبيل المثال، قال إنه مستعد لتوظيف خمسة عشر شخصاً فوراً. “أصبحت المسألة مصدر قلق يومي. يجب أن نرحب بالجميع بأذرع مفتوحة، سواء كان الشخص من أوروبا أم من خارجها. حتى مستواه في اللغة الألمانية ليس مهماً بالنسبة لي في النهاية. إذا كان الشخص يعمل بجد، فلن أهتم كثيراً لكونه لا يتحدث اللغة الألمانية بشكل جيد”، حسب ما صرح مدير الشركة لإذاعة “دويتشلاند فونك” العمومية.

وفق “معهد بحوث السوق والتوظيف” الألماني (IAB)، تحتاج ألمانيا إلى جذب ما لا يقل عن 400 ألف عامل ماهر سنوياً. جيروم ليكوت، أحد المؤسسين لـ EuroJob Consulting، وهي كالة توظيف مقرها في كولونيا وتتم الاستعانة بخدماتها من قبل الشركات التي تبحث عن موظفين، يؤكد أنه يتوسط لما بين 200 و250 شخص في العام.

“لآلئ نادرة”

نقص العمالة الماهرة في ألمانيا له تأثير مزدوج على نشاط وكالته: “إذا نظرنا إلى الجانب الإيجابي، فقد أصبح لدينا الكثير من العملاء الذين يطلبون خدماتنا لأنهم لا يستطيعون العثور على أي عمال. في الماضي، كانت الشركات تحتاجنا للعثور على خبراء مهرة، ولكن الآن أصبحت كل الوظائف مطلوبة، من خدمة العملاء إلى المناصب الإدارية”.

لكن من جانب آخر، هناك صعوبة في العثور على “اللآلئ النادرة”، وفق تعبير جيروم قاصداً به اليد العاملة. ووفقاً لجيروم ليكوت، فقد طال أمد إيجاد الشخص المناسب وأصبح ما بين ثلاثة إلى ستة أشهر. بالنسبة لجيروم ليكوت “تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة أحياناً صعوبة في مواكبة المتغيرات الحالية، حيث اعتادت هذه الشركات على إيجاد اليد العاملة بالقرب منها، بينما تغير هذا المعطى حالياً”، حسب الخبير في الموارد البشرية.

إيجاد عامل بالمهارات المطلوبة وتمكينه من الاندماج في الفريق، شيء مهم للغاية بالنسبة للشركة، لكن جيروم يلفت النظر إلى مسألة أخرى مهمة تتعلق “بكيفية دمج هذه الفئة في المجتمع، والعثور لها على سكن ومساعدتها على استكمال الإجراءات الإدارية؛ إذ يجب أن يشعر العامل بالراحة والاستقرار حتى خارج مقر العمل، كيلا يترك العمل ويعود أدراجه من حيث أتى”.

محاولات حكومية دؤوبة لإيجاد حل للأزمة!

تغيير الواقع نحو الأفضل، هدف من أهداف الحكومة الألمانية. بالنسبة لبرلين، يمكن أن يكون العمال من دول خارج أوروبا حلاً للأزمة. وفقاً لوزير العمل الألماني هوبيرتوس هايل: “لابد من تدريب مهني أفضل، وإدماج أفضل للمرأة في سوق العمل، كما أن التقدم التكنولوجي يمكن أن يسهم بالتأكيد في تحسين الوضع”.

لكن الوزير أكد في ظهوره الإعلامي على أنه “حتى بتحقيق كل هذا، سنظل بحاجة إلى العمال المؤهلين من الخارج” معبراً عن خوفه من “تراجع نمو اقتصاد ألمانيا إذا استمر نقص القوى العاملة في الازدياد”.

وصل ما يناهز 1.9 مليون شخص من الخارج العام الماضي بهدف العمل في ألمانيا، بما في ذلك 1.6 مليون من دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي. بينما وصل ما يقرب من 300 ألف شخص من دول خارج الاتحاد الأوروبي، في المقام الأول من الهند، وفي المرتبة الثانية من دول البلقان.

مشكلة نقص اليد العاملة لا تطرح في ألمانيا فقط، ولكن في جميع أنحاء أوروبا. وقد أشار تقرير لمجلة الأعمال Handelsblatt، إذ ذكر التقرير “تعاني جميع الدول الأوروبية من نقص كبير في العمال المؤهلين. تفتقر القارة إلى المهندسين ومطوري البرامج وخبراء تكنولوجيا المعلومات. وفي ألمانيا، نبحث عن الحرفيين وأطقم الرعاية الطبية وشبه الطبية، والموظفين في المجال السياحي مثلا في الفنادق والمطاعم”.

إبداع في الحلول الأوروبية!

هذا النقص فتح مجالاً كبيراً “للإبداع”، سواء في سوق العمل المحلي، أو في محاولة جذب الموظفين من الخارج. توضح الصحيفة اليومية ذلك بنموذج السويد، التي صارت تقدم مزايا ضريبية. كذلك تستهدف بولندا العمال من دول بعيدة مثل نيبال وبنغلاديش. وتعمل فرنسا على الحصول على تسهيل تصريحات الإقامة لأصحاب الوظائف التي تعاني من نقص كبير.

في ألمانيا، تم اعتماد قانون جديد في عام 2020، بموجبه لم يعد من هناك أسبقية للعمال المرشحين من داخل البلد أو الاتحاد الأوروبي لشغل منصب معين”. ومع ذلك لم تظهر آثار هذا القانون بشكل جلي، فقد دخل القانون حيز التنفيذ في الفترة التي شهد فيها العالم بأسره إغلاق حدوده في مواجهة جائحة فيروس كورونا.

في الوقت الحاضر، تعمل برلين على إدخال إصلاحات جديد لتبسيط المتاهة البيروقراطية. تفكر الحكومة في “بطاقة خضراء” في نسختها الألمانية، شبيهة بنظام النقاط للأشخاص ذوي “المؤهلات المهنية الجيدة”. تسعى الحكومة لتبسيط إجراءات القدوم إلى ألمانيا من أجل البحث عن عمل. في بعض المهن، مثل تكنولوجيا المعلومات، هناك تفكير في جعل مستوى اللغة الألمانية شرطاً يقدره صاحب الشركة التي تحتاج للموظفين، سيتم التصويت على هذا القانون بداية العام المقبل.

هولغر بونين، مدير الأبحاث في معهد (IZA) ومقره في مدينة بون، يقول “هناك الكثير من الشركات الألمانية الصغيرة والمتوسطة الحجم التي تجد صعوبة في تقبل فكرة البحث في نطاق أوسع جغرافياً على اليد العاملة التي تحتاجها، فهي معتادة على العثور على أشخاص في الجوار. مسألة إدارة الموارد البشرية يتكلف بها غالباً مدير الشركة بنفسه وليس موظفاً متخصصاً، مما يجعل أمر العثور على عمال داخل وخارج ألمانيا أمراً صعباً بالنسبة له”.

يعتقد هولغر بونين أن الإطار القانوني لهجرة العمال المهرة، يتسم بالتعقيد من حيث الاعتراف بالشهادات والمؤهلات: “الأمر أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش، فهناك عدد قليل من الأشخاص في الخارج ممن يتقنون اللغة الألمانية، ويتمتعون بالمؤهلات حسب المعايير الألمانية، ما يصعب مهمة الاختيار على أرباب العمل الألمان، فهم معتادون على خريجي الجامعات الألمانية”.

فرص لمواطني الدول العربية

الاعتراف بالمؤهلات العلمية، إضافة لإصدار تأشيرات العمل ودورات اللغة، كلها مهام من اختصاص “وكالة التوظيف الاتحادية”(BA)، التي صارت تستهدف من خلال برامج مختلفة بعض البلدان خارج الاتحاد الأوروبي، فمنذ عام 2019، ازدهرت الاتفاقيات مع المغرب وتونس ومصر أكثر، رغم أن انتشار الوباء قد عرقل سيرها.

يقول ألكسندر فيلهلم، عن الوكالة “نريد خلق شراكات واتفاقيات مربحة للجميع، وأن يكون للدولة الشريكة أيضاً مصلحة في دعمنا في مجال الهجرة”. ويضرب أمثلة حية من المنطقة العربية: “في مصر، هناك العديد من الأشخاص حاصلين على مستوى جامعي ومؤهلين. الحال نفسه في تونس حيث نركز على جلب يد عاملة في مجال الإلكترونيات والضيافة والترميم”.

ماركو فولتر/ م.ب